صر , و كذا المغرب مع العشاء , و قد رد عليهم الجمهور من وجوه :  

أولا : أنه خلاف الظاهر من الجمع . 

ثانيا : أن الغرض من مشروعيته التيسير و رفع الحرج كما صرحت بذلك رواية مسلم ,  
و مراعاة الجمع الصوري فيه الحرج كما لا يخفى . 

ثالثا : أن في بعض أحاديث الجمع ما يبطل دعواهم كحديث أنس ابن مالك بلفظ : 
" أخر الظهر حتى يدخل أول وقت العصر ثم يجمع بينهما " . رواه مسلم ( 2 / 151 )  
و غيره . 

رابعا : و يبطله أيضا جمع التقديم الذي صرح به حديث معاذ هذا " و إذا ارتحل بعد  
زيغ الشمس عجل العصر إلى الظهر " . و الأحاديث بهذا المعنى كثيرة كما سبقت  
الإشارة إلى ذلك . 

2 -  و أن الجمع كما يجوز تأخيرا , يجوز تقديما , و به قال الإمام الشافعي في 
" الأم " ( 1 / 67 ) و كذا أحمد و إسحاق كما قال الترمذي ( 2 / 441 ) . 

3 - و أنه يجوز الجمع في حال نزوله كما يجوز إذا جد به السير , قال الإمام  
الشافعي في " الأم " بعد أن روى الحديث من طريق مالك : 
" و هذا و هو نازل غير سائر , لأن قوله " دخل " ثم خرج " لا يكون إلا و هو نازل  
فللمسافر أن يجمع نازلا و سائرا " . 

قلت : فلا يلتفت بعد هذا النص إلى قول ابن القيم رحمه الله في " الزاد " 
( 1 / 189 ) : 
" و لم يكن من هديه صلى الله عليه وسلم الجمع راكبا في سفره كما يفعله كثير من  
الناس , و لا الجمع حال نزوله أيضا " . 
و قد اغتر بكلامه هذا بعض إخواننا السلفيين في بعض الأقطار , فلذلك وجب التنبيه  
عليه . 
و من الغريب أن يخفى مثل هذا النص على ابن القيم رحمه الله مع وروده في الموطأ  
و صحيح مسلم و غيرهما من الأصول التي ذكرنا , و لكن لعل الغرابة تزول إذا  
تذكرنا أنه ألف هذا الكتاب " الزاد " في حالة بعده عن الكتب و هو مسافر , و هذا  
هو السبب في وجود كثير من الأخطاء الأخرى فيه , و قد بينت ما ظهر لي منها في 
" التعليقات الجياد على زاد المعاد " . 
و مما يحمل على الاستغراب أيضا أن شيخه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله صرح 
في بعض كتبه بخلاف ما قال ابن القيم رحمه الله , فكيف خفي عليه ذلك و هو أعرف  
الناس به و بأقواله ? قال شيخ الإسلام في " مجموعة الرسائل و المسائل " 
( 2 / 26 - 27 ) بعد أن ساق الحديث : 
" الجمع على ثلاث درجات , أما إذا كان سائرا في وقت الأولى , فإنما ينزل في وقت  
الثانية , فهذا هو الجمع الذي ثبت في الصحيحين من حديث أنس و ابن عمر , و هو  
نظير جمع مزدلفة , و أما إذا كان وقت الثانية سائرا أو راكبا فجمع في وقت  
الأولى , فهذا نظير الجمع بعرفة و قد روي ذلك في السنن ( يعني حديث معاذ هذا )  
و أما إذا كان نازلا في وقتهما جميعا نزولا مستمرا , فهذا ما علمت روي ما يستدل  
به عليه إلا حديث معاذ هذا , فإن ظاهره أنه كان نازلا في خيمته في السفر , 
و أنه أخر الظهر ثم خرج فصلى الظهر و العصر جميعا ثم دخل إلى بيته , ثم خرج  
فصلى المغرب و العشاء جميعا , فإن الدخول و الخروج إنما يكون في المنزل , و أما  
السائر فلا يقال : دخل و خرج , بل نزل و ركب . 
و تبوك هي آخر غزوات النبي صلى الله عليه وسلم , و لم يسافر بعدها إلا حجة  
الوداع , و ما نقل أنه جمع فيها إلا بعرفة و مزدلفة . و أما بمنى فلم ينقل أحد  
أنه جمع هناك , بل نقلوا أنه كان يقصر الصلاة هناك , و هذا دليل على أنه كان  
يجمع أحيانا في السفر , و أحيانا لا يجمع , و هو الأغلب على أسفاره أنه لم يكن  
يجمع بينهما . و هذا يبين أن الجمع ليس من سنة السفر كالقصر , بل يفعل للحاجة  
سواء أكان في السفر أو في الحضر , فإنه قد جمع أيضا في الحضر لئلا يحرج أمته .  
فالمسافر إذا احتاج إلى الجمع جمع , سواء أكان ذلك لسيره وقت الثانية أو الأولى  
و شق النزول عليه , أو كان مع نزوله لحاجة أخرى مثل أن يحتاج إلى النوم 
و الاستراحة وقت الظهر و وقت العشاء , فينزل وقت الظهر و هو تعبان سهران جائع  
يحتاج إلى راحة و أكل و نوم , فيؤخر الظهر إلى وقت العصر ثم يحتاج أن يقدم  
العشاء مع المغرب و ينام بعد ذلك ليستيقظ نصف الليل لسفره , فهذا و نحوه يباح  
له الجمع . و أما النازل أياما في قرية أو مصر و هو في ذلك المصر , فهذا و إن  
كان يقصر لأنه مسافر فلا يجمع , كما أنه لا يصلي على الراحلة و لا يصلي بالتيمم  
و لا يأكل الميتة . فهذه الأمور أبيحت للحاجة , و لا حاجة به إلى ذلك بخلاف  
القصر فإنه سنة صلاة السفر " .
165	" الوزن وزن أهل مكة ,‎و المكيال مكيال أهل المدينة " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 267 :

رواه ابن الأعرابي في " معجمه " ( 167 / 2 ) و أبو داود ( 2340 ) و النسائي 
( 7 / 281 المطبعة المصرية ) و ابن حبان ( 1105 ) و الطبراني ( 3 / 202 / 1 ) 
و الطحاوي في " مشكل الآثار " ( 2 / 99 ) و أبو نعيم في " الحلية " ( 4 / 20 )  
و البيهقي ( 6 / 31 ) من طريقين عن سفيان عن حنظلة عن طاووس عن # ابن عمر #  
مرفوعا . 

قلت : و هذا سند صحيح كما قال ابن الملقن في " الخلاصة " ( 64 - 65 ) 
و صححه ابن حبان و الدارقطني و النووي و ابن دقيق العيد و العلائي كما 
في " فيض القدير " و رواه بعضهم عن سفيان به فقال " عن ابن عباس " بدل 
" ابن عمر " و هو خطأ كما بينته في تخريج أحاديث بيوع الموسوعة الفقهية , 
ثم في " الإرواء " ( 1331 ) . 
قال الإمام أبو جعفر الطحاوي رحمه الله : 
" تأملنا هذا الحديث , فوجدنا مكة لم يكن بها ثمرة و لا زرع حينئذ , و كذلك  
كانت قبل ذلك الزمان , ألا ترى إلى قول إبراهيم عليه السلام : ( ربنا إني أسكنت  
من ذريتي بواد غير ذي زرع ) , و إنما كانت بلد متجر , يوافي الحاج إليها  
بتجارات فيبيعونها هناك , و كانت المدينة بخلاف ذلك , لأنها دار النخل , و من  
ثمارها حياتهم , و كانت الصدقات تدخلها فيكون الواجب فيها من صدقة تؤخذ كيلا ,  
فجعل النبي صلى الله عليه وسلم الأمصار كلها لهذين المصريين أتباعا , و كان  
الناس يحتاجون إلى الوزن في أثمان ما يبتاعون , و فيما سواها مما يتصرفون فيه  
من العروض و من أداء الزكوات و ما سوى ذلك مما يستعملونه , فيما يسلمونه فيه من  
غيره من الأشياء التي يكيلونها , و كانت السنة قد منعت من إسلام موزون في موزون  
و من إسلام مكيل في مكيل , و أجازت إسلام المكيل في موزون , و الموزون في مكيل  
و منعت من بيع الموزون بالموزون , إلا مثلا بمثل , و من بيع المكيل بالمكيل إلا  
مثلا بمثل , و كان الوزن في ذلك أصله ما كان عليه بمكة , و المكيال مكيال أهل  
المدينة , لا يتغير عن ذلك , و إن غيره الناس عما كان عليه إلى ما سواه من ضده  
فيرحبون بذلك إلى معرفة الأشياء المكيلات التي لها حكم المكيال إلى ما كان عليه  
أهل المكاييل فيها يومئذ , و في الأشياء الموزونات إلى ما كان عليه أهل الميزان  
يومئذ , و أن أحكامها لا تتغير عن ذلك و لا تنقلب عنها إلى أضدادها " . 
قلت : و من ذلك يتبين لنا أن النبي صلى الله عليه وسلم هو أول من وضع أصل توحيد  
الموازين و المكاييل , و وجه المسلمين إلى الرجوع في ذلك إلى أهل هذين البلدين  
المفضلين : مكة المكرمة و المدينة المنورة . فليتأمل العاقل هذا و لينظر حال  
المسلمين اليوم و اختلافهم في مكاييلهم و موازينهم , على أنواع شتى بسبب هجرهم  
لهذا التوجيه النبوي الكريم . و لما شعر بعض المسؤولين في بعض الدول العربية  
المسلمة بسوء هذا الاختلاف اقترح ا