ود . 

الثالث : أنه قد قال به راويه أنس بن مالك رضي الله عنه و أفتى به يحيى بن يزيد  
الهنائي راويه عنه كما تقدم , بل ثبت عن بعض الصحابة القصر في أقل من هذه  
المسافة , فروى ابن أبي شيبة ( 2 / 108 / 1 ) عن محمد بن زيد بن خليدة عن 
ابن عمر قال : 
" تقصر الصلاة في مسيرة ثلاثة أميال " . 
و إسناده صحيح كما بينته في " إرواء الغليل " ( رقم 561 ) . 
ثم روى من طريق أخرى عنه أنه قال : 
" إني لأسافر الساعة من النهار و أقصر " . 
و إسناده صحيح , و صححه الحافظ في " الفتح " ( 2 / 467 ) . 
ثم روى عنه ( 2 / 111 / 1 ) عنه : 
" أنه كان يقيم بمكة , فإذا خرج إلى منى قصر " . 
و إسناده صحيح أيضا . و يؤيده أن أهل مكة لما خرجوا مع النبي صلى الله عليه  
وسلم إلى منى في حجة الوداع قصروا أيضا كما هو معروف مشهور في كتب الحديث 
و السيرة و بين مكة و منى فرسخ كما في " معجم البلدان " . 
و قال جبلة بن سحيم سمعت ابن عمر يقول : 
" لو خرجت ميلا قصرت الصلاة " . 
ذكره الحافظ و صححه . 
و لا ينافي هذا ما في الموطأ و غيره بأسانيد صحيحة عن ابن عمر أنه كان يقصر في  
مسافة أكثر مما تقدم , لأن ذلك فعل منه , لا ينفي القصر في أقل منها لو سافر  
إليها , فهذه النصوص التي ذكرناها صريحة في جواز القصر في أقل منها , فلا يجوز  
ردها , مع دلالة الحديث على الأقل منها . و قد قال الحافظ في " الفتح " 
( 2 / 467 - 468 ) :
" و هو أصح حديث ورد في بيان ذلك و أصرحه , و قد حمله من خالفه على أن المراد  
به المسافة التي يبتدأ منها القصر , لا غاية السفر ! و لا يخفى بعد هذا الحمل ,  
مع أن البيهقي ذكره في روايته من هذا الوجه أن يحيى بن يزيد قال : سألت أنسا عن  
قصر الصلاة , و كنت أخرج إلى الكوفة يعني من البصرة أصلى ركعتين ركعتين حتى  
أرجع فقال أنس : فذكر الحديث , فظهر أنه سأله عن جواز القصر في السفر لا عن  
الموضع الذي يبتدئ القصر منه , ثم إن الصحيح في ذلك أنه لا يتقيد بمسافة بل  
بمجاوزة البلد الذي يخرج منها . و رده القرطبي بأنه مشكوك فيه فلا يحتج به .  
فإن كان المراد به أنه لا يحتج به في التحديد بثلاثة أميال فمسلم , لكن لا  
يمتنع أن يحتج به في التحديد بثلاثة فراسخ , فإن الثلاثة أميال مندرجة فيها  
فيؤخذ بالأكثر احتياطا . و قد روى ابن أبي شيبة عن حاتم بن إسماعيل عن 
عبد الرحمن بن حرملة قال : قلت لسعيد ابن المسيب : أأقصر الصلاة و أفطر في بريد  
من المدينة ? قال : نعم . و الله أعلم " . 

قلت : و إسناد هذا الأثر عند بن أبي شيبة ( 2 / 15 / 1 ) صحيح . 
و روي عن اللجلاج قال : 
" كنا نسافر مع عمر رضي الله عنه ثلاثة أميال فنتجوز في الصلاة و نفطر " . 
و إسناده محتمل للتحسين رجاله كلهم ثقات غير أبي الورد بن ثمامة روى عنه ثلاثة  
و قال ابن سعد : " كان معروفا قليل الحديث " . 
و قد دلت هذه الآثار على جواز القصر في أقل من المسافة التي دل عليها الحديث ,  
و ذلك من فقه الصحابة رضي الله عنهم , فإن السفر مطلق في الكتاب و السنة , لم  
يقيد بمسافة محدودة كقوله تعالى ( و إذا ضربتم في الأرض فلا جناح عليكم أن  
تقصروا من الصلاة ) الآية . 
و حينئذ فلا تعارض بين الحديث و هذه الآثار , لأنه لم ينف جواز القصر في أقل من  
المسافة المذكورة فيه , و لذلك قال العلامة ابن القيم في " زاد المعاد في هدي  
خير العباد " ( 1 / 189 ) : 
" و لم يحد صلى الله عليه وسلم لأمته مسافة محدودة للقصر و الفطر , بل أطلق لهم  
ذلك في مطلق السفر و الضرب في الأرض , كما أطلق لهم التيمم في كل سفر , و أما  
ما يروى عنه من التحديد باليوم أو اليومين أو الثلاثة , فلم يصح عنه منها شيء  
البتة , و الله أعلم " . 

و قال شيخ الإسلام ابن تيمية : 
" كل اسم ليس له حد في اللغة و لا في الشرع فالمرجع فيه إلى العرف فما كان سفرا  
في عرف الناس , فهو السفر الذي علق به الشارع الحكم " . 
و قد اختلف العلماء في المسافة التي تقصر فيها الصلاة اختلافا كثيرا جدا , على  
نحو عشرين قولا , و ما ذكرناه عن ابن تيمية و ابن القيم أقربها إلى الصواب , 
و أليق بيسر الإسلام , فإن تكليف الناس بالقصر في سفر محدود بيوم أو بثلاثة  
أيام و غيرها من التحديدات , يستلزم تكليفهم بمعرفة مسافات الطرق التي قد  
يطرقونها , و هذا مما لا يستطيع أكثر الناس , لاسيما إذا كانت مما لم تطرق 
من قبل !
و في الحديث فائدة أخرى , و هي أن القصر مبدؤه من بعد الخروج من البلدة و هو  
مذهب الجمهور من العلماء , كما في " نيل الأوطار " ( 3 / 83 ) , قال : 
" و ذهب بعض الكوفيين إلى أنه إذا أراد السفر يصلي ركعتين و لو كان في منزله .  
و منهم من قال : إذا ركب قصر إن شاء . و رجح ابن المنذر الأول بأنهم اتفقوا على  
أنه يقصر إذا فارق البيوت , و اختلفوا فيما قبل ذلك , فعليه الإتمام على أصل ما  
كان عليه حتى يثبت أن له القصر . قال : و لا أعلم النبي صلى الله عليه وسلم قصر  
في سفر من أسفاره إلا بعد خروجه من المدينة " . 

قلت : و الأحاديث في هذا المعني كثيرة , و قد خرجت طائفة منها في " الإرواء "  
من حديث أنس و أبي هريرة و ابن عباس و غيرهم فانظر رقم ( 562 ) .
164	" كان صلى الله عليه وسلم في غزو تبوك إذا ارتحل قبل زيغ الشمس أخر الظهر إلى  
أن يجمعها إلى العصر فيصليهما جميعا , و إذا ارتحل بعد زيغ الشمس عجل العصر إلى  
الظهر , و صلى الظهر و العصر جميعا , ثم سار و كان إذا ارتحل قبل المغرب أخر  
المغرب حتى يصليها مع العشاء , و إذا ارتحل بعد المغرب عجل العشاء فصلاها مع  
المغرب " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 263 :

أخرجه أبو داود ( 1220 ) و الترمذي ( 2 / 438 ) و الدارقطني ( 151 ) و البيهقي  
( 3 / 163 ) و أحمد ( 5 / 241 - 242 ) كلهم من طريق قتيبة بن سعيد حدثنا الليث  
بن سعد عن يزيد بن أبي حبيب عن أبي الطفيل عامر بن واثلة عن # معاذ بن جبل #
مرفوعا . و قال أبو داود : 
" لم يرو هذا الحديث إلا قتيبة وحده " . 

قلت : و هو ثقة ثبت فلا يضر تفرده لو صح , و لذلك قال الترمذي : 
" حديث حسن غريب تفرد به قتيبة , لا نعرف أحدا رواه عن الليث غيره " . 
و قال في مكان آخر : " حديث حسن صحيح " . 

قلت : و هذا هو الصواب . فإن رجاله كلهم ثقات رجال الشيخين و قد صححه ابن القيم  
و غيره , و أعله الحاكم و غيره بما لا يقدح كما بينته في " إرواء الغليل " 
( 571 ) , و ذكرت هناك متابعا لقتيبة و شواهد لحديثه يقطع الواقف عليها بصحته .  
و رواه مالك ( 1 / 143 / 2 ) من طريق أخرى عن أبي الطفيل به بلفظ : 
" أنهم خرجوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام تبوك , فكان رسول الله 
صلى الله عليه وسلم يجمع بين الظهر و العصر , و المغرب و العشاء , قال : فأخر  
الصلاة يوما , ثم خرج فصلى الظهر و العصر جميعا , ثم دخل , ثم خرج فصلى المغرب  
و العشاء جميعا " . 
و من طريق مالك أخرجه مسلم ( 7 / 60 ) و أبو داود ( 1206 ) و النسائي 
( 1 / 98 ) و الدارمي ( 1 / 356 ) و الطحاوي ( 1 / 95 ) و البيهقي ( 3 / 162 )  
و أحمد ( 5 / 237 ) , و في رواية لمسلم ( 2 / 152 ) و غيره من طريق أخرى : 
" فقلت : ما حمله على ذلك ? قال : أراد ألا يحرج أمته " . 

فقه الحديث 
------------
فيه مسائل : 
1 - جواز الجمع بين الصلاتين في السفر و لو في غير عرفة و مزدلفة , و هو مذهب  
جمهور العلماء . خلافا للحنفية , و قد تأولوه بالجمع الصوري أي بتأخير الظهر  
إلى قرب وقت الع