رجع ولم نفتتحه! فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم (اغدوا على القتال) فغدوا عليه فأصابهم جراح. فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم (إنا قافلون غدا) قال: فأعجبهم ذلك. فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم.
(فلم ينل منهم شيئا) أي لم يصبهم بشيء من موجبات الفتح لمناعة حصنهم. وكانوا، كما ذكره ابن حجر، قد أعدوا ما يكفيهم لحصار سنة.
(فقال: إنا قافلون) أي نحن راجعون إلى المدينة. فثقل عليهم ذلك. فقالوا: نرجع غير فاتحين!. فقال لهم صلى الله عليه وسلم: اغدوا على القتال. أي سيروا أول النهار لأجل القتال. فغدوا فلم يفتح عليهم وأصيبوا بالجراح. لأن أهل الحصن رموا عليهم من أعلى السور، فكانوا ينالون منهم بسهامهم، ولا  تصل سهام المسلمين إليهم. وذكر في الفتح: أنهم رموا على المسلمين سكك الحديد المحماة. فلما رأوا ذلك تبين لهم تصويب الرجوع. فلما أعاد، صلى الله عليه وسلم، عليهم القول بالرجوع أعجبهم حينئذ.
وقال الإمام النووي رضي الله تعالى عنه: معنى الحديث أنه صلى الله عليه وسلم قصد الشفقة على أصحابه والرفق بهم بالرحيل عن الطائف لصعوبة أمره، وشدة الكفار الذين فيه، وتقويتهم بحصنهم مع أنه صلى الله عليه وسلم علم أو رجا أنه سيفتحه بعد هذا، بلا مشقة كما جرى. فلما رأى حرص أصحابه على المقام والجهاد أقام وجد في القتال. فلما أصابتهم الجراح رجع إلى ما كان قصده أولا من الرفق بهم. ففرحوا بذلك لما رأوا من المشقة الظاهرة. ولعلهم نظروا فعلموا أن رأي النبي صلى الله عليه وسلم أبرك وأنفع وأحمد عاقبة وأصوب من رأيهم. فوافقوا على الرحيل فرحوا. فضحك النبي صلى الله عليه وسلم تعجبا من سرعة تغير رأيهم.
30 - باب غزوة بدر
83 - (1779) حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة. حدثنا عفان. حدثنا حماد بن سلمة عن ثابت، عن أنس؛
 أن رسول الله صلى الله عليه وسلم شاور، حين بلغه إقبال أبي سفيان. قال: فتكلم أبو بكر فأعرض عنه. ثم تكلم عمر فأعرض عنه. فقام سعد ابن عبادة فقال: إيانا تريد؟ يا رسول الله! والذي نفسي بيده! لو أمرتنا أن نخيضها البحر لأخضناها. ولو أمرتنا أن نضرب أكبادها إلى برك الغماد لفعلنا. قال: فندب رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس. فانطلقوا حتى نزلوا بدرا. ووردت عليهم روايا قريش. وفيهم غلام أسود لبني الحجاج. فأخذوه. فكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يسألونه عن أبي سفيان وأصحابه؟ فيقول: ما لي علمك بأبي سفيان. ولكن هذا أبو جهل وعتبة وشيبة وأمية بن خلف. فإذا قال ذلك، ضربوه. فقال: نعم. أنا أخبركم. هذا أبو سفيان. فإذا تركوه فسألوه فقال: ما لي بأبي سفيان علم. ولكن هذا أبو جهل وعتبة وشيبة وأمية بن خلف في الناس. فإذا قال هذا أيضا ضربوه. ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائم يصلي. فلما رأى ذلك انصرف. وقال: (والذي نفسي بيده! لتضربوه إذا صدقكم. وتتركوه إذا كذبكم).
قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (هذا مصرع فلان) قال: ويضع يده على الأرض، ها هنا وها هنا. قال: فما أماط أحدهم عن موضع يد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
31 - باب فتح مكة
84 - (1780) حدثنا شيبان بن فروخ. حدثنا سليمان بن المغيرة. حدثنا ثابت البناني عن عبدالله بن رباح، عن أبي هريرة. قال:
 وفدت وفود إلى معاوية. وذلك في رمضان. فكان يصنع بعضنا لبعض الطعام. فكان أبو هريرة مما يكثر أن يدعونا إلى رحله. فقلت: ألا أصنع طعاما فأدعوهم إلى رحلي؟ فأمرت بطعام يصنع. ثم لقيت أبا هريرة من العشي. فقلت: الدعوة عندي الليلة. فقال: سبقتني. قلت: نعم. فدعوتهم. فقال أبو هريرة: ألا أعلمكم بحديث من حديثكم؟ يا معشر الأنصار! ثم ذكر فتح مكة فقال: أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى قدم مكة. فبعث الزبير على إحدى المجنبتين. وبعث خالدا على المجنبة الأخرى. وبعث أبا عبيدة على الحسر. فأخذوا بطن الوادي. ورسول الله صلى الله عليه وسلم في كتيبة. قال: فنظر فرآني. فقال (أبو هريرة) قلت: لبيك. يا رسول الله! فقال (لا يأتيني إلا أنصاري).
زاد غير شيبان: فقال (اهتف لي بالأنصار) قال: فأطافوا به. ووبشت قريش أوباشا لها وأتباعا. فقالوا: نقدم هؤلاء. فإن كان لهم شيء كنا معهم. وإن أصيبوا أعطينا الذي سئلنا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (ترون إلى أوباش قريش وأتباعهم) ثم قال بيديه، إحداهما على الأخرى. ثم قال (حتى توافوني بالصفا) قال: فانطلقنا. فما شاء أحد منا أن يقتل أحدا إلا قتله. وما أحد منهم يوجه إلينا شيئا. قال: فجاء أبو سفيان فقال: يا رسول الله! أبيحت خضراء قريش. لا قريش بعد اليوم. ثم قال (من دخل دار أبي سفيان فهو آمن) فقالت الأنصار، بعضهم لبعض: أما الرجل فأدركته رغبة في قريته، ورأفة بعشيرته. قال أبو هريرة: وجاء الوحي. وكان إذا جاء الوحي لا يخفى علينا. فإذا جاء فليس أحد يرفع طرفه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ينقضي الوحي. فلما انقضى الوحي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (يا معشر الأنصار!) قالوا: لبيك. يا رسول الله! قال (قلتم: أما الرجل فأدركته رغبة في قريته). قالوا: قد كان ذاك. قال (كلا. إني عبد الله ورسوله. هاجرت إلى الله وإليكم. والمحيا محياكم. والممات مماتكم). فأقبلوا إليه يبكون ويقولون: والله! ما قلنا الذي قلنا إلا الضن بالله وبرسوله. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (إن الله ورسوله يصدقانكم ويعذرانكم) قال: فأقبل الناس إلى دار أبي سفيان. وأغلق الناس أبوابهم. قال: وأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أقبل الحجر. فاستلمه. ثم طاف بالبيت. قال: فأتى على صنم إلى جنب البيت كانوا يعبدونه. قال: وفي يد رسول الله صلى الله عليه وسلم قوس. وهو آخذ بسية القوس. فلما أتى على الصنم جعل يطعنه في عينه ويقول (جاء الحق وزهق الباطل). فلما فرغ من طوافه أتى الصفا فعلا عليه. حتى نظر إلى البيت. ورفع يديه. فجعل يحمد الله ويدعو بما شاء أن يدعو.
85 - (1780) وحدثنيه عبدالله بن هاشم. حدثنا بهز. حدثنا سليمان بن المغيرة، بهذا الإسناد. وزاد في الحديث: ثم قال بيديه، إحداهما على الأخرى (احصدوهم حصدا). وقال في الحديث: قالوا: قلنا: ذاك يا رسول الله. قال (فما اسمي إذا؟ كلا إني عبد الله ورسوله).
86 - (1780) حدثني عبدالله بن عبدالرحمن الدارمي. حدثنا يحيى بن حسان. حدثنا حماد بن سلمة. أخبرنا ثابت عن عبدالله بن رباح. قال: وفدنا إلى معاوية بن أبي سفيان. وفينا أبو هريرة. فكان كل رجل منا يصنع طعاما يوما لأصحابه. فكانت نوبتي. فقلت: يا أبا هريرة! اليوم نوبتي. فجاؤوا إلى المنزل، ولم يدرك طعامنا. فقلت: يا أبا هريرة! لو حدثتنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يدرك طعامنا. فقال:
 كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الفتح. فجعل خالد بن الوليد على المجنبة اليمنى. وجعل الزبير على المجنبة اليسرى. وجعل أبا عبيدة على البياذقة وبطن الوادي. فقال (يا أبا هريرة! ادع لي الأنصار) فدعوتهم. فجاءوا يهرولون. فقال (يا معشر الأنصار، هل ترون أوباش قريش؟) قالوا: نعم. قال (انظروا. إذا لقيتموهم غدا أن تحصدوهم حصدا) وأخفى بيده. ووضع يمينه على شماله. وقال (موعدكم الصفا) قال: فما أشرف يومئذ لهم أحد إلا أناموه. ق